القرطبي
83
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) [ ذكر تعالى أربعة أعضاء : الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه المسح اتفاقا واختلف في الرجلين على ما يأتي ، لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن . والله [ أعلم ] ( 1 ) ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه ، وإمرار اليد عليه ، وهذه حقيقة الغسل عندنا ، وقد بيناه في " النساء " ( 2 ) . وقال غيرنا : إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ، ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال : غسل وجهه ويده ، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم ، فإذا حصل كفى . والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة ، وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض ، فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين ، ومن الاذن إلى الاذن في العرض ، وهذا في الأمرد ، وأما الملتحي فإذا اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفا أو كثيفا ، فإن كان الأول بحيث تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها ، وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه كشعر الرأس ، ثم ما زاد على الذقن من الشعر واسترسل من اللحية ، فقال سحنون عن ابن القاسم : سمعت مالكا سئل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء ؟ قال : نعم ، وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس ، وعاب ذلك على من فعله . وذكر ابن القاسم أيضا عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها ، قال : وهي مثل أصابع الرجلين . قال ابن عبد الحكم : تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل . قال أبو عمر : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء من وجوه كلها ضعيفة . وذكر ابن خويزمنداد : أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء ، إلا شئ روى عن سعيد بن جبير ، قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها ، وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية ؟ قال الطحاوي : التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جميعهم . فكذلك الوضوء . قال أبو عمر : من جعل غسل اللحية كلها واجبا جعلها وجها ، لان الوجه مأخوذ من المواجهة ، والله قد أمر بغسل الوجه أمرا مطلقا لم يخص صاحب لحية من أمرد ، فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة .
--> ( 1 ) هذه الزيادة من ك وز . ( 2 ) راجع ج 5 ص 209 وما بعدها .